هل العرب سودانيون؟



هل العرب سودانيون؟ (1)
كثيرا ما يتردد سؤال حول هويتنا الا وهو "هل السودانيون عرب؟" بينما هناك اسئلة اكثر اهمية واشد الحاحاً بخصوص موضوع الهوية مثل "هل العرب سودانيون؟ هل كانت للكوشيين السودانيين ممالك بالجزيرة العربية؟ ماهي مساهمات الكوشيين بالجزيرة العربية؟ ما علاقة العرب بالكوشيين ؟". يهدف هذا المقال بالمقام الاول لتسليط الضوء على جانب مهمل من تاريخ السودان وتحفيز البحث العلمي به وذلك لانه موضوع معقد وشائك جداً. كما يهدف الى تسليط الضوء على القطيعة التاريخية التى حدثت بسبب تسمية البلاد باسم "السودان" واغفال اسماء البلاد القديمة "كوش واثيوبيا". الاسم الاخير اخذته الجارة الحبشة (وسمت به نفسها بدلا من اسمائها القديمة اكسوم وابيسينيا) (انظر عجب الفيا) واخذت معه جزء كبير من تاريخنا. فصرنا عند بحثنا عن بعض تاريخنا نلجأ لمصادر عربية تسمي بلادنا "السودان" وغاية ما تقدمه من معلومات عن سكانها معلومات انطباعية سطحية لرحالة تفتقر للمنهجية العلمية وتغفل عن تاريخ ضارب في القدم.
هاجر الافارقة منذ الاف السنين للجزيرة العربية وكانت حركتهم سهلة للغاية اذ كان هنالك جسر بري عند نهاية البحر الاحمر (1999(Clapp,. بدأ تكون البحر الاحمر منذ ملايين السنين وذلك نتيجة لحركة الصفائح التكتونية للقارة الافريقية African Plates بعيد عن صفيحة الجزيرة العربية Arabian Plate ولا تزال هذه الحركة مستمرة بما يعادل 15 الى 15.7 مم سنوياً (Britannica). وتبدو هذه الحركة جلية بالخرط المرسومة للمنطقة بفترات تاريخية مختلفة. توضح الخريطة بالرقم (2) والتي رسمها الفرنسي نيكولاس سانسون Nicolas Sanson بالعام 1654 المسافة القريبة جدا بين الجزيرة العربية وافريقيا ويمكن مقارنتها بالخرط الحديثة لمعرفة التغير الطبوغرافي الذي حدث بمنطقة باب المندب. كما توضح الخريطة بالرقم (3) المسارات البحرية المتاخمة للجزيرة العربية وقد رسمتها البعثة التى ارسلها الملك فرديريك الخامس ملك الدنمارك لهذا الغرض بالعام 1761. يلاحظ بالخريطة وجود بقايا للممر البري الذي كان يربط بين افريقيا والجزيرة العربية ويظهر على شكل جزر صغيرة متقطعة.
بالنظر الى المراجع التاريخية والنصوص الدينية القديمة فاننا نجد انها تستخدم ثلاث اسماء بالتبادل للاشارة للسودان والجزيرة العربية وهي Kush/Cush, Aethiopia/Ethiopia, Arabia (Baldwin, 1874). فمثلا اسماء Kush/Cush و Aethiopia/ Ethiopia كانت تستخدم للاشارة للجزيرة العربية واسم Arabia كان يستخدم للاشارة للمناطق المتاخمة للجزيرة بغرب البحر الاحمر (السودان) . منذ ايام هيرودوتوس )484 الى 425 ق.م) واسترابو (63 ق.م الى 24 ب.م) كان مصطلح الجزيرة العربية يشمل المناطق غرب البحر الاحمر وحتي النيل وقد كان النيل يعتبر حدا فاصلا ما بين افريقيا واسيا (Goldenberg, 2009). كما يذكر بمراجع تاريخية اخري ان سكان الجزيرة العربية كانوا يعرفون باسم الاثيوبيين او الكوشيين وقد كانت الجزيرة بتلك العصور مهدا لحضارات ثرية و متقدمة علميا وحضاريا توسعت لاقصي الشرق والغرب (Baldwin, 1874).
لكن هنالك بعض المصادر تقول بانه كان هناك مملكتين منفصلتين تحملان نفس الاسم كوش. فقد اوضح بعض المؤرخون اليونان والرومان ان هنالك امبراطوريتين كوشيتين احداهما بآسيا والاخري بافريقيا بالمنطقة المعروفة بالسودان (Hanseberry, 1981). لكن البعض يرجع المملكتين لاصل واحد مشترك. فقد اشار هومر شاعر الالياذة والذى من المرجح انه عاش فى الفترة من (القرن الثاني عشر الى القرن الثامن قبل الميلاد) لاصل الامبراطوريتين الكوشيتين المشترك بقوله :
“ a race divided, whom the sloping rays;
The rising and the setting surveys”
(Hebbe, 1848)
على حسب العديد من مصادر الانجيل القديمة فان الشعوب التى كانت موجودة شرق وغرب البحر مرتبطة عرقيا ببعضها البعض ويربط بينها نفس الاصل الكوشي (Goldenberg, 2009). بعض المؤرخين العرب مثل جمال الدين ابوالفتح المعروف باسم ابن المجاور ذكر بمؤلفه المعروف ب"تاريخ المستبصر" انه كانت هنالك مملكة باسم كوش بالجزيرة العربية بالاضافة لتلك التى بالسودان.
كما يلاحظ ايضا ان اسم كوش فى الانجيل العبري كان يستخدم للاشارة لمناطق شرق افريقيا وجنوب الجزيرة العربية وببعض الاحيان شمال الجزيرة العربية والعراق (Goldenberg, 2009)
بعض الممالك الكوشية بالجزيرة العربية:
هنالك مصادر تاريخية عديدة تقول بان قوم عاد المذكورين بالقران هم كوشيين (Lenormant, 1923; Antai, 1968) وقد حكموا كل الجزيرة العربية واجزاء كبيرة من شرق افريقيا. تنسب هذه الامبراطورية العظيمة لعاد ابن حام وقد قامت بسهل ظفار جنوب الجزيرة العربية بالفترة من 10 الاف الى 8 الاف سنة ق.م. وقد دانت لها البلاد حتى شمال مصر وسوريا (Wilfred, 1912). سميت عاصمة الامبراطورية ب”ارم ذات العماد” او "ارم ذات الاعمدة" Iram of the Pillars/Ubar باشارة لفخامة وعظم قصورها ومبانيها. وقد كانت مركزا حضاريا وتجاريا مهما تحيط بها الحدائق الغناء وتجري بها الانهار والمياه و لما لها من ثراء فاحش و سيط ذائع فقد سميت بالعديد من المصادر الغربية ب"اتلانتيس الرمالAtlantis of the Sand" أو"المدينة الاسطورية". يقال ان من بني ارم هو شداد بن عاد بن حام وقد اكتشفت آثار هذه المدينة التاريخية بالعام 1992 بواسطة ناسا التي استخدمت تقنيات متقدمة واقمار صناعية لتحديد موقعها وقد وجدت مطمورة تحت رمال صحراء الربع الخالي (1999(Clapp, .
كانت المنطقة جنوب الجزيرةالعربية تحت سيطرة مجموعات افريقية عديدة وقد توالي على حكمها سلالات افريقية متعددة. تورد بعض المصادر التاريخية بدأية السيطرة الافريقية على الجزيرة العربية بالعام 1500 ق. م وذلك بعد قيام مملكة مينان الكوشية (Chandler, 2007).
بحوالى العام 700 ق. م. انتصرت مملكة سبا السوداء على مملكة مينيان. وقد كانت مملكة سبا امتداد للوجود الكوشي (Pickthall,1938) بارض الجزيرة العربية. تم تسمية المملكة باسم سبا Seba الابن الاكبر لكوش (Genesis 10:7 ) وقد حكمت المملكة بنفس النسق الكوشي القديم حيث كان نظام الحكم اموميا matriarchal تسنمت سدة الحكم فيه كنداكات كانت اشهرهن الملكة بلقيس و امها الملكة اسميني Ismenie. وتشير مصادر تاريخية عديدة قديمة لانتشار نظام الحكم الامومي بفترات طويلة جدا بتاريخ الجزيرة العربية (Rogers, 2013). كما يلاحظ ايضا عبادة مملكة سبا لاله الشمس آمون المعبود بكوش وتشابه الحروف واللغات المستخدمة بالمملكتين بالاضافة لنسق الزراعة والاواني الفخارية التى عثر عليها فى المنطقتين (انظر عجب الفيا).
بحوالى العام 75 ق.م ظهرت مملكة حمير وذلك بعد انتصارها على الممالك الاخري ومن بينها مملكة سبا وقد اسست ملكها بجنوب الجزيرة العربية وقد حكمت لمدة 600 سنة. وقد بسط ملوك حمير نفوذهم لكل اجزاء الجزيرة العربية بما فى ذلك نجد و وصولا الي داخل الامبراطورية الفارسية شرقا. وقد اكتشفت مؤخرا كتابات باللغة الحميرية ترجع لعهود ملوك حمير الملك "ابكر اسعد" و هو من أشهر ملوك حمير التبابعة والملك "معديكرب" بمنطقة ماسل بنجد (عكاظ, الجزيرة نت).
بالعام 120 م انهار سد مارب والذي بني خلال حكم مملكة سبا وقد ادي انهياره لحدوث فيضان عظيم سمي بالمصادر الدينية ب"فيضان عرم" نتج عنه تغييرات كبيرة جدا بتركيبة السكان بمنطقة اليمن. فقد نزحت اعداد كبيرة من المجموعات اليمنية القديمة شمالا واسسوا ممالك جديدة خارج نطاق مناطقهم القديمة. فقد اسس بني غسان مملكة قوية بشرق سوريا وأسس اللخميون حكما اخر على نهر الفرات بفارس (Chandler, 2007). كما تورد بعض المصادر وجود قبائل تحمل اسم كوش بمنطقة الشام و قد ورد ذكرهم بمصادر انجيلية (1 Chron 4:40) ومصرية قديمة من حوالى القرن ال19 او ال18 ق. م. باسم Kush (Kwsw) (Goldenberg, 2009) .
بفترات تاريخية لاحقة قامت جيوش مملكة اكسوم بالقضاء على مملكة كوش بالجزيرة العربية حيث قام الملك كالب Kaleb بتسيير حملة عسكرية ضد ملك حمير اليهودي ذو نواس وذلك لانه كان يقوم بقتل المسيحيين الاكسوم عن طريق القائهم بخندق وحرقهم وتورد بعض المصادر بان هذه الاحداث هي المذكورة بسورة البروج وتمت الاشارة لهم ب "اصحاب الاخدود" و تورد مصادر اخرى ان الحادثة جرت بمنطقة نجران الحالية. تعتبر هذه الحادثة هي نهاية الوجود الكوشي (السوداني) وبداية الوجود الاكسومي (الحبشي) والذي استمر لفترات طويلة بمنطقة الجزيرة العربية.
من هنا نخلص لان احد الاصول المهمة للعرب بالجزيرة العربية واحد مكوناتها الاساسية هو العنصر السوداني الكوشي الذى كان له وجود مادي وحضاري كبير جدا واليه يعود الفضل للتطور الحضاري الكبير بالمنطقة بالعصور القديمة. واشير بالخاتمة للاهمال من قبل اعداد كبيرة من الاكاديميين لانجازات الحضارات الافريقية والكوشية خاصة وذلك لاسباب عنصرية او استخفاف بانجازات الحضارات السودانية اولاعتبارها تابعة للمصرية من ضمن اسباب اخري.
المراجع والمصادر:
Anati, Emmanuel (1968) Rock-art in Central Arabia: The "oval-headed" people of Arabia. Institut Orientaliste.
Baldwin, John D. (1874). Pre-Historic Nations or Inquiries Concerning Some of the Great Peoples and Civilizations of Antiquity and their Probable Relation to a
still Older Civilization of the Ethiopians or Cushites of Arabia. Harper & Brothers
Chandler, Wayne B. (2007) Ebony and bronze: Race and Ethnicity in Early Arabia and the Islamic World, in R. Rashidi & I.V. Sertima (Eds.), African Presence in Early Asia., Transaction publishers.
Clapp, Nicholas (1999) The Road to Ubar: Finding the Atlantis of the Sand, Mariner Books.
Goldenberg, David M. (2009) The Curse of Ham: race and Slavery in Early Judaism, Christianity, and Islam, Princeton university Press.
Hansberry, L., )1981( William Leo Hansberry: African History Notebook. In: Joseph, E.H. (Ed.), Africa and Africans as Seen by Classical Writers. Vol. 2, Howard University Press.
Hebbe, Gustaf Clemens (1848) Ancient history, Dewitt and Davenport.
Lenormant, Francois (1923) Manuel D'Histoire Ancienne de L'Orient, Jusqu'aux Guerres Mediques, Vol. 1.
Pickthall, Mohammed Marmaduke. (1938) “THE MEANING OF THE GLORIOUS QURAN” Hyderabad-Deccan : Government Central Press; Surah 2:62, 5:69, 22:17.
Rogers, Curtis (2013) Polygyny: The Ancient African Welfare System.
Wilfred H. Schoff (1912) The Periplus of the Erythraean Sea. Travel and Trade in the Indian Ocean by a Merchant of the First Century. Longmans, Green, and Co.
الجزيرة نت:
عجب الفيا, عبدالمنعم , بلقيس السودانية
خالد عبدالقادر




إرسال تعليق

0 تعليقات