كوشية ... وليست نوبية


كوشية ... وليست نوبية
من الدكتور : هاشم الخليفة
_________________
اسباب كتابة الموضوع هو أن الاخوة في شمال السودان (النوبيون) بيعتقدوا أنهم هم الذين أنشأوا الحضارة السودانية وغيرهم وافدين عليها ... لكن الأمر خلاف ذلك ...
بل العكس ... حسبما جاء في العنوان أن الحضارة كوشية وليست نوبية ... فإلى التفاصيل
.
في عهد الإمبراطور الروماني دقلديانوس (284- 305م) ... رأت الدولة الرومانية سحب جيوشها مما يعرفونها بالنوبة السفلى جنوبي مصر وذلك لسببين:
.
1. الابتعاد عن غارات البجة من جهة الجنوب (كوش).
2. أراضي المنطقة فقيرة والصرف على الزراعة أكثر من عائد الانتاج الزراعي
.
يتزامن ذلك مع الانفلات الأمني في الواحات الخارجة حيث يقوم النبطانيون بغارات مستمرة على الطرق التجارية بين مصر والسودان وغيرها. لأجل كل ذلك قام الإمبراطور الروماني دقلديانوس (284 – 305م) باغراء النبطانيين للانتقال من الواحات الخارجة والاستقرار في المنطقة التي ستنسحب منها حامياتهم. فمن وجهة نظر الرومان يعني ذلك: استخدام النوباطيين كمجموعة حاجزة أو حائط صد أو درع بشري لوقف هجمات البجة فضلا عن ابعاد النوباطيين أنفسهم عن الطرق التجارية التي كانوا يغيرون عليها. وافق النبطانيون على المقترح الروماني واستقروا على ضفتي النيل. وتقديرا لاستجابتهم واعلان خضوعهم للدولة الرومانية فقد التزم لهم دقلديانوس بأتاوة سنوية رمزا لذلك الخضوع.
.
ورغم محاولاتهم المتكررة لم يستطع النوباطيون وقف هجمات البجة الكوشيين. واستمر البجة في غاراتهم حتى عام 429م. وهو العام الذي تمكن فيه البجة من احتلال (طيبة) ثم الواحة الخارجة - الموطن الأصل للنوباطيين - فنهبوا واسروا وكان من ضمن الأسرى الأسقف (نطورس) الذي كان منفيا في الواحة الخارجة.
.
في عام 543م استفاد الإمبراطور الروماني جستنيان من النزاع المستفحل بين البجة والنوباطيين وبعد الشقة بينهما فقرب إليه زعيم النوباطيين (سلكو) وذلك عبر وساطة قام بها الأسقف الروماني (ثيودور) وبعدها تمكن (سلكو) بمساندة القائد الروماني (نارسيس) من هزيمة البجة وكسر شوكتهم ... ترتب عن ذلك تغيير التعامل مع النوباطيين من (مجموعة حاجرة) إلى دولة معترف بها وهي مملكة (نوباطيا) ويعتبر (سلكو) أول ملوكها وكان أداة طيعة في يد الرومان تمت من خلاله محاربة البجة وكان مدخلا لنشر المسيحية في السودان.
.
تأسيسا على ما ورد .... يمكن القول أن النوباطيين بدأوا كمجموعة حاجزة في حوالي عام 300م وفي حوالي 550م تم الاعتراف بهم من الرومان كمملكة مستقلة تعرف بمملكة نوباطيا وتقع شمال مملكة المقرة الكوشية ... من ذلك فليست هناك ما يجمع بين سكان مملكتي نوباطيا والمغرة أصلا بل حتى اعتناقهم للمسيحية كان بمذهبين مختلفين.
.
عند دخول المسلمين مصر 641م كانت علاقة النوباطيين حسنة معهم ... ولكن عندما ابتاع نوباطيو مصر بعض الأراضي للمسلمين اعترض المصريون على ذلك وتقدموا بطعون بأن النوباطيين ليست أهل ملك ومن ثم لم يكتمل البيع ... وبلاحظ أن اتفاقية البقط عام 661م تجاوزت نوباطيا قفزا إلى مملكة المقرة الكوشية وهي مملكة رماة الحدق ... (نوباطيا لا علاقة لها بالحرب ضد المسلمين ولا علاقة لها بمسمى رماة الحدق) ... فالاتفاقية تتم بين المتحاربين ووقعها أبو السرح مع (قيلي درو – العجوز الأحمر) ملك المقرة في دنقلا العجوز ... (تم استخدام كلمة نوبة تعميما على المقرة وعلوة وهي ممالك متطورة من الأصل الكوشي .... فلا يمكن أن تدخل تحت مسمى عام مع نوباطيا المصطنعة من الرومان)
.
كل ما ورد لا يعطي النوباطيين – في مصر والسودان - حقا في ادعاء ملكية الحضارة الكوشية أو القول بأنهم أحفاد بُناتها أو التوغل في التاريخ الكوشي دونما مبرر ... لأن مجيئهم كان بعد الانتهاء من بناء الحضارة ... لكن لهم حق الانتماء لحضارة كوش شأنهم شأن البقية وهذا حق لا يستطيع أحد أن يسلبه ... أما اطلاق الاسم الحصري (حضارة نوبية) ... فهذا قال به آخرون لحاجة في نفس يعقوب ... وصدقه النوبيون وغيرهم ... وأدى ذلك إلى عدم اجماع السودانيين حول حضارتهم بتسميتها التاريخية ... حضارة كوش ... وتسببت هذه (الربكة) في المسميات إلى ضعف الانتماء للبلاد ... باعتبار كل من رفع صوته بأنها حضارة كوش ... الغم من النوباطيين بحجر بأنه وافد عليها ... لأنها نوبية ... حتى في المناطق التي تبعد آلاف الأميال عن نوباطيا ... فانفصل السودانيون عن حضارتهم ... فلا بد من اعادة ترتيب المفاهيم ووضعها في اطارها الصحيح .... ويجب العمل على تصحيح مسمى الحضارة ... كوشية وليست نوبية ... ولا بد من أن ندرك أن اضافة كلمة (نوبية) لحضارة (كوش) .. ستثير جدلا بين السودانيين يؤدي إلى فرقتهم وعدم اتحادهم في مواجهة ما هو آت من الشرور المضمرة .... نكن للنوبيين كل الود ... لكنها حضارة كوش ... وحتى ما يعرف ب (الممالك النوبية) فهذه التسمية ستتراجع ... ختاما ... كل الحضارة الآن سودانية ... فليتحد الجميع في هذا الاتجاه للبحث عن المتبقي منها والعمل على استرداد المعروض منها في المتاحف الخارجية ... ثم ردم الفجوة المعرفية بين الماضي والحاضر بما يؤسس لقاعدة انطلاق قوية نحو آفاق أرحب.

إرسال تعليق

0 تعليقات